محمد متولي الشعراوي

1597

تفسير الشعراوى

كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْماً كَفَرُوا بَعْدَ إِيمانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجاءَهُمُ الْبَيِّناتُ وَاللَّهُ لا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ ( 86 ) إننا نرى هنا الأسلوب البديع ؛ إن الحق سبحانه يدعونا أن نتعجب من قوم كفروا بعد الإيمان ، إنهم لو لم يعلنوا الإيمان من قبل لقلنا : إنهم لم يذوقوا حلاوة الإيمان ، لكن الذي آمن وذاق حلاوة الإيمان كيف يقبل على نفسه أن يذهب إلى الكفر ؟ إنه التمرد المركب . وقد يتساءل إنسان قائلا : ما دام اللّه لم يهدهم ، فما ذنبهم ؟ نقول له : يجب أن تتذكر ما نكرره دائما ، لتتضح القضية في الذهن لأنها قضية شائعة وخاصة عند غير الملتزمين ، الذين يقول الواحد منهم : إن اللّه لم يرد هدايتي ، فماذا أفعل أنا ؟ إن ذلك استدلال لتبرير الانحراف ومثل هذا القول لا يصدر إلا من المسرف على نفسه ، ولا يأتي هذا القول أبدا من طائع للّه ، إن الذي يقول : « إن المعصية إنما أرادها اللّه منى ، فما ذنبي ؟ » يجب أن يعرف أن الطاعة من اللّه ، فلماذا لم يقل : « إن الطاعة من اللّه فلماذا يثيبنا عليها ؟ لماذا تغفل أيها العاصي عن ذكر ثواب الطاعة ، وتقف عند المعصية وتقول : « إن اللّه قد كتب على المعصية فلماذا يعذبني ؟ » كان يجب أن نقول أيضا : « ما دام قد كتب على الطاعة فلماذا يعطيني عليها ثوابا ؟ » . إننا نقول لمن يبرر لنفسه الانحراف : إنك تريد أن تأخذ من الطاعة ثوابها ، وتريد أن تهرب من عقاب المعصية . وأنت تحتاج إلى أن تفهم الأمر على حقيقته ، لقد قلت من قبل : إن « الهداية » تأتى بمعنيين « هدى » أي دل على الطريق الموصلة للغاية المرجوة ولم يصنع شيئا أكثر من ذلك والمثال هو إشارات المرور الصماء ؛ إن كل إشارة توضح طريقا معينا وتهدى إليه ، وإشارة أخرى توضح طريقا آخر وتهدى إليه . ولا يوجد أحد عند هذه الإشارة يأخذ بيد الإنسان ويقول له : أنا سآخذ بيدك وأصلح لك العربة عندما تقف منك ، أو أركب معك لأوصلك إلى غايتك .